مقالات

فضيلة الشيخ الدكتور / إبراهيم الدويش ( رعاية السجناء وأسرهم )

459770905_640

رعاية السجناء وأسرهم
الحمد لله ناصر المظلومين، ومجيب دعوة المضطرين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: عباد الله! العقوبات في الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قصاص، وحدود، وتعازير، وما السجن إلا نوع من التعزير، وللعقوبات في الإسلام أهداف وحكم: كالتطهير، والزجر، والقصاص، والتعويض، وإذا أردنا تحقيق ثمرات عقوبة السجن كتعزير، فينبغي أن تتوفر فيها شروط ثلاث لكي يتحقق لها النجاح المتمثل في صلاح المجرم وعدم عودته إلى الإجرام مرة أخرى، وأول هذه الشروط: رعاية أسرة السجين طوال فترة بقائه في السجن، وتقديم العون المادي والاجتماعي لها. ثانيًا: تأهيل السجين تأهيلاً حقيقيًا، ويشمل التأهيل: المهني، والدراسي، والنفسي، والاجتماعي، والروحي، مع التركيز على الجانب الروحي الإيماني، فقد أثبتت العديد من الدراسات ضعف مستوى التدين لدى المنحرفين والعائدين منهم إلى السجون بشكل أخص، وأن العناية بهذا الجانب يضمن لنا عدم عودة الجاني للجناية مرة أخرى، فتنشيط جانب التوبة والقرب إلى الله، وإحياء مبدأ الخوف من عذابه الأخروي والدنيوي، والرغبة بثوابه ونعيمه، لا شك أن له الأثر الكبير في استقرار المفرج عنه نفسيًّا وروحيًّا، وبالتالي ضمان نجاح الشرط الثالث، وهو:تقديم رعاية لاحقة بعد خروج السجين ووضع برنامج إصلاحي لمتابعته، والتأكد من استقراره ماديًا واجتماعيًا ونفسيًا. فالسجين إنسان له قلب فيه بذرة الخير، فتحتاج لمن يحركها ويَسقيها ويرعاها، فالمجرم إنسان قابل للإصلاح وتعديل سلوكياته متى تهيأت الظروف المناسبة له، وهو مواطن له حقوق وإن أخطأ وعوقب، فمن حقه على المجتمع إصلاحه وتقويمه بالطرق الإنسانية. قال والدموع تملأ عينيه من الحسرة والألم على ما أمضاه من أيام وشهور وسنين داخل السجن يقول:(سالم..ع.س 45 عامًا):لم أصدق نفسي حينما علمت بنبأ العفو الذي صدر مؤخرًا حتى أبلغني المسؤولون… إلى أن قال: إنني لم أعرف قيمة الحياة إلا بعد ما أدخلت خلف القضبان التي أعطتني درسًا لن أنساه طوال حياتي، وخاصة أن العفو جاء في وقت أبنائي وأسرتي في أشد الحاجة إلى وجودي بجانبهم..وكل ما أتمناه أن لا أعود إلى أخطائي السابقة، لقد قطعت وعدًا على نفسي مع الله بأن أسير على الطريق الصحيح لبناء مستقبلي ومستقبل أبنائي فلذات كبدي، ووالدتي فهي تنتظرني. وسجين آخر يخرج من السجن مهرولاً مسرعاً فهو لم ير أبناءه طوال سجنه، والسبب أن زوجته لا ترغب في إحضار أبنائها إلى السجن حتى لا يتأثروا بما يشاهدونه من حال والدهم وهو خلفالقضبان. وسجين ثالث: يعبر عن فرحه بالعفو عنه وخروجه من السجن، ويقول: أرجو ألا أرجع لأخطائي السابقة، وأول قرار أتخذه سأقطع علاقتي بشلة السوء التي تسببت في توريطي. ورابع أبدى سعادته بإطلاق سراحه ثم قال: بمشيئة الله سأكون عضوًا صالِحًا في المجتمع، ولن أعود لارتكاب الجريمة مرة أخرى؛ فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. وخامس وسادس وعشرات ممن من الله عليهم بالعفو والخروج من السجن، ويبقى السؤال المهم الذي يجب أن نقف جميعنا عنده: هل ستستمر مشاعر الفرح لدى هؤلاء؟! هل حقًّا سيجد أمثال هؤلاء النادمين والتائبين البيئة التي سيبدؤون فيها حياتهم من جديد، وهل سيستمرون على حماسهم وندمهم؟ أم أن المجتمع سيلفظهم ويتبرأ منهم، وسينظر إليهم كل من حولهم نظرة ريبة وشك، واتهام وحذر، وعندها سيتلقفهم أساطين الجريمة وعصابات التهريب، وجلساء السوء. فكم من سجين خرج من السجن بمثل هذه المشاعر التي سمعتموها، خرج وهو يعاهد نفسه وربه أن يبدأ من جديد، خرج وهو يلوم نفسه كثيرًا على تقصيره وغفلته، خرج وهو يمني نفسه بحياة آمنة ومستقرة، ثم فوجئ بسوء استقبال أقرب الناس إليه، وطريقة نظراتهم، وربما رده والتنكر له وعدم قبوله، إن لم يكن طرده والدعاء عليه، وقد دلت عدد من الدراسات على نتائج سلبية كبيرة على نفسية المفرج عنه نتيجة لوصمه بالمجرم بعد الإفراج عنه حتى وإن تاب واستقام، ومعظم المساجين العائدين إلى الجريمة مرة أخرى يُصرحون بأن أهم سبب لعودتهم للجريمة هو: الضغوط الاجتماعية التي قابلوها بعد خروجهم من السجن، بالإضافة إلى عدم تقبل المجتمع لهم . وهذه المشكلة تتضح بشكل أكبر في المجتمعات الصغيرة، أو في القرى. ولذا فقد أحسنت وزارة الشؤون الاجتماعية بتأسيس اللجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم والتي تهدف لمساعدة المفرج عنهم، وتقديم الخدمات المادية والمعنوية لأسرهم، وتذليل المشكلات التي تواجههم، وتحاول تحسين بيئة الإصلاحيات والسجون، وبذل كل الأسباب لتهذيب النزلاء وإرشادهم. وأنا على يقين أن نجاح مثل هذه اللجنة بفروعها مرهون بتفهم كافة أفراد المجتمع لهذا الدور المنوط بها، والتعاون مع القائمين عليها، والوقوف معهم ودعمهم بكل سبل الدعم ماديًا ومعنويًا وتربويًا، كل من خلال قدراته وتخصصه، فاللجنة وحدها لن تستطيع فعل شيء، إن لم تتغير نظرة المجتمع للمفرج عنه، فعلى المجتمع أفرادًا ومؤسسات أن يحتوي هؤلاء السجناء المفرج عنهم، وينمي الجوانب الخيرة في نفوسهم، ولا ينبغي أن ننظر إليهم على أنهم جناة يجب الحذر والتحذير منهم ومن الاقتراب منهم، لأننا إذا فعلنا هذا أثقلنا جانب الشر فيهم، وأصبحوا عبئًا ثقيلاً على المجتمع، ومصدر قلق ورعب على الجميع، بل وأصبحنا عونًا للشيطان عليهم؛ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قال: أُتِيَ النَّبِيُّ r بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ : ((اضْرِبُوهُ)) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: (( لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ )) رواه البخاري. إنه نبي الرحمة، المربي r المدرك لضعف النفس البشرية، وتسلط الشيطان والنفس الأمارة عليها، فما أعظم هذا الدين! وما أجمله وأرحمه! إنه دين احترام وتقدير لمشاعر النفس البشرية، ]وَلَقد كَرَّمنَا بنِي آدَمَ وحَمَلناهُم في البَّرِ والبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِن الطّيّباتِ وفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِير مّمَّن خَلَقنا تَفضِيلاً[[الإسراء:70]. لقد كرم الله – عز وجل- هذا المخلوق البشري على كثير ممن خلق، كرمه بهيئته، وتسويته، وفطرته، وخلافته في الأرض، وبتسخير الكون له، وكرمه بإعلان ذلك التكريم وتخليده في كتابه العزيز، ولذا كان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وهذه قاعدة شرعية مقررة في الشرع الحكيم، وبذلك فإن هذه العقوبات الدنيوية التي نالها ذلك السجين ما هي إلا تطهير له، وزجر لغيره، وينبغي ألا يُنظر إليها بأبعد من هذا المنظار. أيها المؤمنون! إن من المقرر شرعًا وعرفًا ونظامًا أن مسؤولية الفرد عما يرتكبه من انحراف أو زلل إنما هي مسؤولية فردية، والله تعالى يقول: ]وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[، والعجب هنا لا ينتهي من حال المجتمع أفرادًا ومؤسسات عندما يمتد العقاب إلى أسرة السجين، وربما بدون قصد، فيزداد الألم والمعاناة عليها، وتصبح ضحية بلا ذنب، وما أكثر الصور، والمآسيلأحوال الكثير من زوجات المساجين، فكم من زوجة اليوم زوجها مع السجناء، صبية صغار، وبيت بالإيجار، وهم في الليل والنهار، لا تدري المسكينة أتذل نفسها وتطرق أبواب الأخيار، أو تُهلك نفسها وتسلك طريق الفجار. واسمعوا لهذه الرسالة المؤلمة من زوجة إلى زوجها في السجن تقول فيها :”.. لقد غيبك السجن، فكم سنة غبت عني، آه لو ترى كيف ينظر الناس لي ولأولادك، ليتك تسمع ما يتناقله الناس عنا، لقد اجتمع علي الهم والذل والفقر، ولا أدري ماذا أفعل؟ من أين أطعم أولادك؟ ليتك ترى كيف يعيشون؟ ليتك ترى حالي وحالهم؟ ليتك ترى حال صغارك؟ آه فلست أدري؟! هل أخون أمانة الله وأمانتك، وأطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة وأنا في ذمتك وعهدك؟ أم أطلب الطلاق ويضيع أولادك؟! فآهٍ ماذا أفعل.. إلى آخر رسالتها.
يا ويح قلبي من سؤال لا أطيق له جواب ؟
أين زوجي ؟ كيف غاب ؟
وبمن أستظل متى تحركت الذئاب ؟
ولمن أفر وقد تكاثرت الصعاب ؟
وكيف أطرق أي باب ؟
أأمد يدي للسراب أم الخراب ؟
هَمُّ قلبي، دمع عيني، فكر ليلي في اضطراب !
أمنياتي بل حياتي في عذاب !
أين زوجي ؟ كيف غاب ؟
يا ويح قلبي من سؤال لا أطيق له جواب ؟.
لنتصور معاشر الإخوة والأخوات، حال أولاد وبنات هذا السجين، ونظرة الناس لهم، والصعوبات التي تبدأ بدخوله السجن، فقد تطالب بعض الزوجات بالطلاق من أزواجهن فور دخول الزوج السجن، وبغياب ذلك الأب السجين يبدأ أفراد الأسرة بالتشتت وهجران الدراسة، إما لعدم وجود المصاريف اللازمة للدراسة ومستلزماتها، أو لعدم وجود الرقيب الذي يحرص على الأبناء ويتابع دراستهم وحضورهم وانصرافهم، وقد يصاحب كل ذلك انشغال الأم بالعمل لتوفير مصاريف المنزل بعد غياب عائلها في ظلمات السجن، وقد يتطور الأمر إلى انحراف بعض الأبناء أو البنات، وهكذا ونحن نحاول أن نصلح سجينًا، إذ بنا يتولد ويظهر عدد من المنحرفين الْجُدد في هذه الأسرة المنكوبة بعائلها، إلا إذا تداركها الله برحمته، وهيأ لها من يرعاها. بل إن عقوبة السجن لا يقتصر ضررها على المسجون وأسرته فحسب، بل حتى على المجتمع نفسه، فكم هي الميزانيات المبذولة لتلك السجون المتناثرة في أرجاء العالم، فحُرم المجتمع كثيرًا من خيراته بسبب اقتطاع هذه المبالغ الضخمة لصرفها في عقوبة السجن التي لم تؤت أكلها وثمارها المرجوة، والدليل على ذلك نسب العائدين إلى السجون مرة أخرى، بل مرات. ثم إني أتوجه هنا برسالتين، الأولى رسالة مختصرة إلى كل سجين، نذكره فيها، بقول الله تعالى: ]فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[. وقوله تعالى: ]وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[، اسمع أخي لقول الإمام ابن القيم، يقول:” في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب؛ فإن الله تعالى يعلم منها ما لا يعلمه العبد…”اهـ. ثم تذكر أيها السجين بأن الإنسان إذا صبر على المصيبة، يؤجر عليها، وإذا لم يصبر تنقلب المصيبة إلى مصيبتين، ولا شك أن الحبس مصيبة من المصائب، وهي مقدرة، وقعت بقضاء الله وقدره، قال تعالى:]مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ[ وقد صح عن النبي r أنه قال: ((مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)) رواه البخاري. فكن مؤمنًا بأن المصائب مقدرة، وأنه لا يحصل شيء في الكون إلا بقضاء الله وقدره، وأما السبب فهو الإنسان نفسه، قال تعالى: ]وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ[ والمؤمن بوجه عام، والسجين بوجه خاص يجب أن يعلم أ ن ((مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ)) مسلم. فيا أيها السجين: لعل في الأمر خيرًا، فإن في المصائب أنواعًا من المنافع، منها: زوال قسوة القلب، وحدوث رقته، وانكسار العبد لله عز وجل، وذلك أحب إلى الله تعالى من كثير من طاعات الطائعين. ومنها قطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين، ووجوب الإقبال إلى الله وحده. ومنها معرفة قدر النعم، لأن كثيرًا من الناس لا يعرفون قدرها إلا إذا سلبت، وفقدت. ومنها نعمة الحرية، التي هي ضد الحبس. ومنها: بل أهمها: محاسبة العبد لنفسه، على تفريطها، واقترافها للذنوب، ولا سيما ما كان سببًا لإدخاله في الحبس. فهيا أيها السجين! حول هذه المحنة إلى منحة، فتفوز وتظفر بها، وتسلم من تبعاتها، فعليك أولاً: بالصبر، واليقين والثقة بربك العلي القدير، وثانيًا: تفاءل وثق بأن الفرج قريب، وأن مع العسر يسرًا، ]إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[. وثالثًا: لا تكن أسيرًا لشهواتك ورفقاء السوء، وجاهد نفسك بكل عزيمة وإصرار، هذه الثلاثة سر التحدي والانتصار على النفس، ولذا فما أحسن وأروع بعض السجناء الذين استطاعوا أن يقلبوا المحنة منحة! حيث جاء في إحصائية صادرة عن إدارة الإرشاد والتوجيه بالمديرية العامة للسجون، أنه قد بلغ عدد الحافظين لكتاب الله الكريم أربعمئة وثلاثة وخمسين حافظًا من نزلاء السجون بمختلف مناطق المملكة، وذلك خلال ثلاث سنوات، كما بلغ عدد الأشخاص الذين دخلوا في الإسلام من نزلاء المديرية العامة للسجون سبعمئة واثنين وثمانين شخصًا. فهيا أيها السجين! فالباب مفتوح. ثم الرسالة الثانية للمجتمع ومؤسساته، فأقول: إن في إصلاح المساجين من خلال برامج الرعاية اللاحقة تحقيقًا لمبدأ الاستفادة من جميع طاقات المجتمع البشرية بما فيها المفرج عنهم، فهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، ولا يمكن فصلهم عن مجتمعهم مهما طال الزمان أو قصر، فلا بد من تعاون الجميع والعمل على توفير وتهيئة فرص العمل الشريف لهم، وقبولهم وتشجيعهم، وألا نجعل الخطأ الأول في حياته عقبة تحول دون استقامته، ولا شك أن الجهات الأمنية تدرك جيدًا أن واجبها في حماية المجتمع من آثار الجريمة لا ينتهي بالقبض على المجرم وإيداعه السجن فقط، بل يمتد ذلك إلى إصلاحه ورعايته قبل خروجه من السجن، وبعد الإفراج عنه، وذلك لضمان عدم عودته مرة أخرى إلى الإجرام، وأفضل وسيلة -في الغالب- لحماية المجتمع من قيام المجرم بتكرار انحرافه هو: الإشراف الاجتماعي، والنفسي، والاقتصادي الذي يُقدم للمجرم بعيدًا عن الرقابة الشرطية على المفرج عنه، وبشرط أن يكون ذلك الإشراف بشكل منظم ومخطط له مع توفر عمليات التنسيق بين جميع الجهات المعنية بأمر السجين والمفرج عنهم وأسرهم. نسأل الله أن يكون في عون إخواننا العاملين في اللجنة الوطنية لرعاية السجناء، وأن يوفقهم ويُسددهم، وأن يبارك مسعاهم، فهذه الفكرة حضارية إنسانية، وقبل ذلك كله هي شرعية سماوية، فالمجتمع المسلم مجتمع متراحم متماسك، قال تعالى:]مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم … الآية[ [الفتح:29]، ويصف الرسول r المؤمنين بأنهم كالجسد الواحد، في قوله: ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) رواه البخاري. وفي الحديث: ((خابَ عبدٌ وخَسِرَ لم يجعلِ الله تعالى في قلبِهِ رحمةً للبشرِ)) حسنه الألباني في صحيح الجامع(3205)، ومن هذا الأس العظيم الذي يحث على التراحم والرحمة تقوم رعاية السجناء والمفرج عنهم التزامًا بتعليمات ديننا الحنيف الحاثة على التراحم والتواد. ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) فأين الراحمون الداعمون الباذلون؟ أين العاملون الجادون؟ أين المحبون للإصلاح الحريصون على الوطن وحمايته ورقيه وتحضره؟ هيا لنتعاون ونضع أيدينا بأيدي إخواننا، نسأل الله أن يجعلنا جميعًا من مفاتيح الخير، وأن ينفعنا وينفع بنا